العيني

95

عمدة القاري

الخواص غير الكل ، فقال : ( لست كأحدكم ) ، وإذا سلك طريق غيرهم ، قال : ( إنما أنا بشر ) ، فرد إلى حالة الطبع ، فنزع الخميصة ليس به من ترك كل شاغل . وقالَ هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عن عائِشَةَ قالَ النَّبيُّ كنْتُ أنْظُرُ إلى عَلَمِها وأنا في الصَّلاَةِ فأخَافُ أنْ تَفْتِنَنِي . قال الكرماني : هذا عطف على قوله : قال ابن شهاب ، وهو من جملة شيوخ إبراهيم ، ويحتمل أن يكون تعليقاً . قلت : هذا رواه مسلم في ( صحيحه ) : عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام ، ورواه أبو داود عن عبيد ا عن معاذ عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عنه ، ورواه أبو معمر فقال : عمرة عن عائشة قال الإسماعيلي ، ولعله غلط منه ، والصحيح : عروة ، ولم يذكر أبو مسعود هذا التعليق ، وذكره خلف . قوله : ( وأنا في الصلاة ) جملة حالية . قوله : ( أن تفتنني ) ، بفتح التاء من : فتن يفتن من باب : ضرب يضرب ، ويجوز أن تكون بالإدغام ، وأن تكون بضم التاء من الثلاثي المزيد فيه يقال : فتنه وأفتنه ، وأنكره الأصمعي . واعلم أن في هذه الرواية لم يقع له شيء من الخوف من الإلهاء لأنه قال : ( فأخاف ) وهذا مستقبل ، ويدل عليه أيضاً رواية مالك : ( فكاد يفتنني ) ، فهذا يدل على أنه لم يقع ، والرواية الأولى تدل على أنه قد وقع لأنه صرح بقوله : ( فإنها ألهتني ) والتوفيق بينهما يمكن بأن يقال : للنبي حالتان : حالة بشرية وحالة تختص بها خارجة عن ذلك ، فبالنظر إلى الحالة البشرية قال : ( ألهتني ) ، وبالنظر إلى الحالة الثانية لم يجزم به ، بل قال : ( أخاف ) ، ولا يلزم من ذلك الوقوع . وأيضاً فيه تنبيه لأمته ليحترزوا عن مثل ذلك في صلاتهم ، لأن الصلاة المعتبرة أن يكون فيها خشوع ، وما يلهي المصلي ينافي الخشوع والخضوع . 51 ( ( بابٌ إنْ صَلَّى في ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أوْ تصَاوِيرَ هَلْ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ وما يُنْهَى منْ ذَلِكَ . ) ) باب : منون ، خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب يذكر فيه إن صلى شخص حال كونه في ( ثوب مصلب ) بضم الميم وفتح اللام المشددة . قال بعضهم : أي فيه صلبان . قلت : ليس المعنى كذلك ، بل معناه : إن صلى في ثوب منقوش بصور الصلبان . قوله : ( أو تصاوير ) قال الكرماني : أو تصاوير عطف على ثوب لا على مصلب ، والمصدر بمعنى المفعول ، أو : على مصلب ، لكن بتقدير أنه في معنى ثوب مصور بالصليب ، فكأنه قال : مصور بالصليب ، أو بتصاوير غيره . وقال بعضهم : أو تصاوير ، أي في ثوب ذي تصاوير ، كأنه حذف المضاف لدلالة المعنى عليه . قلت : جعل الكرماني : تصاوير ، مصدراً بمعنى المفعول غير صحيح ، لأن التصاوير اسم للتماثيل ، كذا قال أهل اللغة . قال الجوهري : التصاوير : التماثيل ، وقد جاء التصاوير والتماثيل والتصاليب ، فكأنها في الأصل جمع : تصوير وتمثال وتصليب ، ولئن سلمنا كون التصاوير مصدراً في الأصل جمع تصوير ، فلا يصح أن يقال ، عند كونه عطفاً على ثوب أن يقدرا : أو إن صلى في ثوب مصورة ، لعدم التطابق حينئذٍ بين الصفة والموصوف ، مع أنه شرط ، والظاهر أنه عطف على : مصلب ، مع حذف حرف الصلة ، تقديره ؛ إن صلى في ثوب مصور بصلبان ، أو ثوب مصور بتصاوير ، التي هي التماثيل . وقول بعضهم : لدلالة المعنى عليه ، ولم يبين أن المعنى الدال عليه ما هو ، والقول بحذف حرف الصلة أولى من القول بحذف المضاف ، لأن ذاك شائع ذائع . وفرق بعض العلماء بين الصورة والتمثال ، فقال : الصورة تكون في الحيوان ، والتمثال تكون فيه وفي غيره . ويقال : التمثال ما له جرم وشخص ، والصورة ما كان رقماً أو تزويقاً في ثوب أو حائط . وقال المنذري : قيل : التماثيل الصور ، وقيل في قوله تعالى : * ( وتماثيل ) * ( سبأ : 31 ) إنها صور العقبان والطواويس على كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام ، وكان مباحاً . وقيل : صور الأنبياء والملائكة ، عليهم الصلاة والسلام ، من رخام أو شبه لينشطوا في العبادة بالنظر إليهم . وقيل : صور الآدميين من نحاس ، وا تعالى أعلم . قوله : ( هل تفسد صلاته ؟ ) استفهام على سبيل الاستفسار ، جرى البخاري في ذلك على عادته في ترك القطع في الشيء الذي فيه اختلاف ، لأن العلماء اختلفوا في النهي الوارد في الشيء ، فإن كان لمعنى في نفسه فهو يقتضي الفساد فيه ، وإن كان لمعنى في غيره فهو يقتضي الكراهة أو الفساد ، فيه خلاف . قوله : ( وما ينهى من ذلك ) : أي : والذي ينهى عنه من المذكور ، وهو ؛ الصلاة في ثوب مصور بصلبان أو بتصاوير ، وفي بعض النسخ لفظة : عنه ، موجودة ، وفي رواية : عن ذلك ، بكلمة : عن ، موضع : من ، والأول أصح .